
لا تعلم كيف دلفت إلي السيارة ومتي ولكنها حقاً غارقة في بحر ذكرياتها المريرة، تزايدت خفقات قلبها بخوف من رد فعله إذا أخبرته بالحقيقة كاملة! من الممكن أن يكرهها ويفعل مثلما فعل معها حازم، أو يقتل ذلك الجاسر، تنهدت بعمق وهي تخترع كذبة مناسبة ولكنها تشعر بالتشتت!! فكرت لبرهة ثم تحدثت بتعثلم قائلة:
– دا … هو يعني صاحب حازم … انا أصلاً مشفتوش غير مرة واحدة … يعني شفته أنا وحازم في أول أيام جوازنا.
نظر إليها بشك و ملامح مُنزعجة بالتأكيد ما تقوله ما هو إلا كذبة أخترعتها !! من الممكن أن يكون ذلك الرجل سبباً في موت حازم أو هناك أمر مُريب تعرفه نورا يجب أن يكتشف هذا الرجل نظراته و طريقة حديثه و ارتياب نورا ! يجب أن يذهب إلى ذلك الوغد الآخر (مصطفي) و يستطيع معرفة من هو صاحب تلك المخططات، نظر إليها نظرة جانبية فوجدها تذرف الدموع بصمت مستندة برأسها للناحية الأخري فهتف بقلق:
– نوري … ممكن أعرف انتي بتعيطي ليه دلوقتي؟!.
-
Enjoy a safe and protected dating environmentفبراير 23, 2025
-
Join our growing community of like-minded individualsفبراير 23, 2025
هزت الأخري رأسها لتقول بصوت متحشرج:
– ممكن تنزلى هنا؟ انا عايزة أمشي لوحدي شوية.
صف سيارته في طريق جانبي ليقوم بحدة:
– ليه معاكي سوسن عشان اسيبك تمشي لوحدك وبعدين أنتي بتتهربي من أي سؤال ليه.
أجابت بتوتر:
– طب طب ممكن أخرج برة دقيقتين انا مخنوقة أوي ومش قادرة أخد نفس؟.
أومأ لها برأسه فخرجت من السيارة وهي تتنفس الصعداء لتتفاجأ بمراد يقترب منها حتي التصق ظهرها بصدره قائلاً بخفوت:
– نوري أنا مراد! معقولة اللي حصل ما بينا امبارح يكرهك فيا؟! انا مراد اللي مكنتيش بتخبي عليه حاجة.
التفتت إليه لترتمي داخل أحضانه لتحصل على أمانها لا تبكي ولا تفعل أي شيء إنما تشعر بالسكينة والطمأنينة أكثر من أي وقت، ولم يكن رد فعله سوا أنه أزداد من احتضانها بقوة وكأنه هو من يحتاجها وليست هي …
صاحت امرأة تمر من جانبهم مع زوجها:
– شايف يا راجل الرومانسية! أتعلم بقا مرة في حياتك ولا أقولك طلقني أحسن.
انفجرت هي في وصلة ضحك وهي تخفي وجهها في صدره بسبب كلمات تلك المرأة ليقول هو بابتسامة واسعة تشق شفتاه:
– عاجبك كدا؟! ادينا اتحسدنا، ربنا يستر ومش نولع في بعض قبل ما نوصل البيت!.
أبتعدت عنه بابتسامة صغيرة ثم اخفضت رأسها ارضاً ليمسك ذقنها بأنامله قائلاً بابتسامة جذابة:
– أيوا كدا اضحكي خلي شمس الدنيا تطلع.
أقترب مقبلاً وجنتها لتشتعل وجنتها بالورد الجوري واستبغ وجهها بحُمرة الخجل لتقول بغضب طفولى:
– بطل قلة أدب و يالا عشان عايزة أروح.
قهقه بمرح من مظهرها الطفولى هذا لتدلف إلي السيارة سريعاً وأتبعها هو متجهين إلى القصر..
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
اجتمع الجميع على طاولة الطعام في جو أسري دافئ أفتقدته لكثير من الوقت ولم يخلو من كلمات ديما السامة التي تقصدها بها، ولكن بات الخوف هو العامل المسيطر عليها في كل الأحوال … أكلت بعض اللقمات ثم استأذنت منهم و صعدت إلى الأعلى، وما أن دلفت إلى غرفتها حتي وصدت الباب و توجهت نحو الشرفة جالسة على أحدي الكراسي الجلدية السوداء، تفكر و تفكر … ماذا كانت ستفعل لو لم يكن مراد معها في نفس المكان، هي لا تمتلك الشجاعة حتي تواجه ذلك الشيطان الذي كان سبباً في دمارها !
أغمضت عيناها بألم تتذكر ما حدث مع منذ حوالي سنة
~Flashback~
(ثاني شهر جواز من حازم “بداية الجحيم”)
كانت جالسة في غرفتها تقرأ أحدي الروايات بتركيز تام، فالغرفة و الروايات أصبحت رفيقة دربها في هذه الأيام … لأن حازم دائم الخروج من البيت ولا يأتي إلا في ساعـة متأخرة! وحتي إذا طلبت منه الذهاب إلى والدتها لا تستطيع الجلوس مع والدتها سوا بضع دقائق ثم ينصرفوا.
ابتسمت بوله وهي تتخيل حياتها مثل تلك الرواية حياة مليئة بالسعادة و الأحداث الشيقة!.
تفاجأت بصوت ارتطام في الخارج شعرت بالخوف الشديد خصوصاً أنها وحدها في البيت … ثوانٍ و فُتح باب غرفتها بقوة لتنتفض في مكانها فور رؤيتها لذلك الشاب (جاسر) بينما كان ينظر إليها بنظرات لم تفهمها هي نظرات مليئة بالشر و الأنتقام و الجرأة، صاحت بخوف:
– أنت مين و عايز إيه؟!.
بلل شفتاه وهو يتفحصها لترتسم أبتسامة شيطانية على ثغره ثم صاح لرجاله في الخارج:
– دخلوه.
دلف الكثير من الرجال المُسلحين بهيئة مخيفة يرتدون بدل من اللون الأسود ملامحهم تبعث الرجفة في القلوب يمسكون حازم من تلابيب ملابسه، يداه و قدمه مُكبلة و يخر الدماء من وجهه و جسده بسبب تعرضه للضرب المُبرح ! القوه أمام قدم جاسر ليبتسم الآخر في تشفي و رضاء بينما تعالت شهقات تلك المسكينة و توجهت نحو حازم ليقبض جاسر على يدها قائلاً بابتسامة مُريبة:
– على فين يا حلوة لسه الليلة طويلة.
أشار للرجال بالخروج فخرجوا واحداً يلي الآخر ثم وصدوا الباب بأحكام ليصرخ حازم قائلاً:
– سيبها هي … اعمل فيا اللي أنت عايزه بس هي لأ!.
غرست أظافرها في يده الممسكة بها حتي يتركها ولكن هيهات، ليقول جاسر بنبرة يملؤها التشفي:
– تؤ تؤ تؤ انا عايزك توفر صراخك ده لبعدين … و أتفرج وأنت ساكت أتفرج عليا وانا بدبح مراتك زي ما دبحت أختي وكنت السبب في هروب الوسخة مراتي اللي كانت بتخوني معاك … بس بجد شاطر يا واد يا حازم عرفت تختار قمر زيها … مش يالا بينا يا عروسة ولا إيه؟.
نظرت إليهم بصدمة و تجمد جسدها في مكانها ليقترب منها جاسر محاولاً تقبيلها فضربته في معدته بقوة ليتأوه بألم ثم صفعها صفعة مدوية و تلتها عدة صفعات أخري حتي شعرت بطعم الدماء في فمها ليدفعها على الفراش وقد أعماه نيران انتقامه ليُدنس براءة تلك المسكينة و يغتصبها بوحشية ظنناً منه بأنه يثأر لأخته ولا يعلم عقاب اللّٰه الكبير…!
كان حازم يتابع ما يحدث و يصرخ من طيات قلبه حتي يبتعد عنها ولكن لا حياة لمن تنادي، يبكي كالطفل الصغير و قد ترددت تلك الجملة في أذنه “كما تدين تدان” صراخها الذي جرح حلقها هو نفس صراخ أخت جاسر، استجادها بـ مراد وكأنه طوق النجاة هو نفس استنجاد جميلة بجاسر…!
نهض عنها عندما شعر بتشنج جسدها ليجدها فاقدة للوعي وجهها شاحب كالموتي الدماء تفر من وجهها !!
أبتسم بإنتصار ليرتدي ملابسه ثم بصق في وجه ذلك الحازم قائلاً بوعيد:
– دي لسه البداية يا حازم أستعد لجحيمك ! حق جميلة أختي هيرجع.
~End~
أفاقت من ذكرياتها المريرة وقد حجبت الدموع زرقاوتاها لتهز رأسها بأسي، فحازم المختل الآخر منذ ذلك اليوم وهو يكرهها !! يكرهها متناسي تماماً أن هذا ذنبه هو، وهو من يجب أن يعاقب عقاباً وابلاً … توجهت نحو فراش صغيرها وهي تبتلع غصة مريرة في حلقها فما ذنبه هو أيضاً بأن يكون لديه والدة حياتها عبارة عن مأساة لا نهاية لها بداية من وفاة والدها إلى ظهور هذا البغيض اللعين الذي يدعي أن عمر أبنه فليذهب للجحيم فحملها كان بعد شهر من هذه الحادثة!
توجهت نحو الحمام لتريح ولو القليل من نيران قلبها الذي يصرخ ألماً مما تلقاه طوال السنوات المنصرمة …
خرجت بعد مرور بعض الوقت لترتدي منامة باللون الأسود مُريحة ثم توجهت نحو مرآة الزينة و بدأت في تمشيط شعرها، وكالعادة فُتح باب غرفتها بدون استئذان للتفاجأ بـ ديما تنظر لها عاقدة ذراعيها أمام صدرها تبتسم بسخرية:
– اتمني الـ Show اللي مراد عمله معاكي طول اليوم مش ينسيكي نفسك … أصل مراد حبيبي بيتعاطف مع أي حد حالته زي حالتك خاصاً لما تكوني خلاص اتجننتي !! بس كنت عايزة أسألك سؤال هو أنتي دخلتي في مرحلة التخيل ولا لسه.
شعرت نورا بالإهانة من كلمات تلك العقربة ليهوي كف يدها على وجه ديما بصفعة قوية وتعالت أنفاسها الغاضبة قائلة:
– اطلعي برة يا زبالة واياكي تدخلى هنا تاني.
– نوراااا.
صاح مراد بصوته الأجش وهو يدلف إليهم فأبتسمت ديما داخلياً فهي تعلم بقدومه خلفها فتوجهت نحوه ترتمي في صدره تصتنع البكاء قائلة:
– شايف يا مراد! ضربتني عشان بقولها خلينا صحاب و ترفه عن نفسها بدل الكآبة اللي هي عايشة فيها دي.
ربت على ظهرها قائلاً:
– خلاص أهدي و روحي على أوضتك يالا.
أومأت له وهي بداخلها تتراقص فرحاً، ليحتقن وجه نورا بالغضب قائلة:
– طبعاً أنت صدقتها … عشان أنا المجنونة اللي في البيت ده.
هز رأسه بيأس قائلاً:
– نوري … أنا سمعت كل حاجة من البداية، كنت عارف انها هتطلع تقولك كلمتين تضايقك بيهم … وحتي لو مكنتش سمعت اللي حصل انا واثق أنك متعمليش كدا.
رفرفت بأهدابها محاولة في كبت دموعها ليبتسم لها أبتسامة عذبة جعلتها تحلق في عنان السماء فبادلته بابتسامة صغيرة ليقترب منها قابضاً على كلتا ذراعيها برفق ثم توجه بها نحو المرآة يتأملها لمعت عيناه بحب ليأخذ تلك الفرشاة ثم بدأ بتمشيط خصلاتها الحريرية وهي تبدو كالطفلة أمامه لم تعترض أو تتفوه بأي كلمة فشعورها الآن يجعلها كالمغيبة تماماً عن الواقع، ازدردت في ارتباك عندما لفحت أنفاسه الساخنة بمؤخرة عنقها، وبحركة لا إرادية تشبثت بقميصه حتي لا تسقط أرضاً من هول تلك اللحظة !
انتهي من تصفيف شعرها ليهمس بجانب أذنها ببحته الرجولية:
– لفي يا نوري أنا خلصت.
التفتت إليه وتعالت خفقات قلبها ليمرر إبهامه على شفتيها قائلاً بنبرة آمرة لينة:
– يالا نامي ساعتين انتي تعبتي انهارده.
حك ذقنه بكف يده عندما وجدها بهذا السكون وبدون سابق إنذار حملها متجهاً بها نحو الفراش لتقول بإعتراض:
– سيبني أنا عايزة عمر.
نظر لها رافعاً أحدي حاجباه بسخرية:
– وهتعملى ايه بعمر وهو نايم؟! أسمعي الكلام يالا وبلاش عند.
دثرها بالغطاء جيداً ثم انثني بجذعه نحوها مقبلاً جبينها بعذوبة وترك الأنوار مضاءة فهو يعلم أنها تهاب الظلام، وخرج من الغرفة لتذهب هي في سبات عميق.
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
بعد مرور بعض الوقت…
استقل بسيارته أمام ذلك المبني المتواجد به مصطفي ليتوجه إلى الداخل بخطوات رزينة رافعاً أنفه بغرور بينما وقف يحييه رجاله المسلحين ليتوجه نحوه إبراهيم مهرولاً:
– حضرتك اللي أمرت بيه نفذته ودي المعلومات عن جاسر رشاد زي ما أنت طلبت.
أعطاه أحدي الملفات ليومأ له ببرود ولم يلقِ لأحاديث إبراهيم بالاً إنما كان هدفه هو رؤية مصطفي الذي لا يزال رافضاً أن يعترف!
دلف إلي تلك الغرفة واضعاً يده في جيبه وهو يسلط نظره على مصطفي ببرود فجلس أمامه على أحدي الكراسي الكبيرة قائلاً ببرود:
– يعني أنت مش ناوي ترحم نفسك وتقول مين اللي أمرك تعمل كدا.
ظل مصطفي يبكي بوهن وهو يهز رأسه قائلاً بيأس:
– انا لو اتكلمت أمي وأخواتي هينقتلوا … أرجوك بلاش تضغط عليا اكتر من كدا ! انا بعترف قدامك إني كنت قاصد أديه جرعة كبيرة عشان أخلص منه.
بُرزت عروقه بوضوح من شدة غضبه ليصرخ قائلاً وهو يقبض على عنقه:
– أنا لو صبري نفذ مش هيكفيني فيك روحك … احسنلك تنطق و تقول.
هز مصطفي رأسه بالإيماء وهو يصرخ من ألم قبضته:
– حاضر والله هقول بس شيل ايدك.
ترك عنقه ليبدأ مصطفي في السعال ويحاول استنشاق الهواء مرة ثانية فأردف مراد بملل:
– هستني لبكرة لحد ما تتكلم ولا ايه يا قذر؟!.
هتف مصطفي سريعاً:
– هقول والله العظيم … اللي اتفق معايا على موته بينه وبين حازم تار قديم ومعه شريكه التاني وهو قاصد أنه يدمرك أنت وياخد أملاكك.
قطب مراد حاجباه قائلاً بغضب:
– أنطق وقول اسمهم ايه … هو أنت هتحكي قصة حياتهم.
ثوانٍ وقبل أن ينطق مصطفي بأسمائهم اخترق الرصاص الزجاج صوب جسد مصطفي بعدة طلقات نارية ليغرق في دمائه، بينما شعر مراد بالذهول مما حدث ليجد رجاله يقتحموا المكان يحاولوا حمايته… شل جسده وشعر بصدمة احتلت كيانه ليخرج من ذلك المبني بخطوات جامدة خالية من الحياة، لتوه كان من الممكن أن يُصاب بإحدي الرصاصات … بالتأكيد ذلك الرجل الذي كان سيعترف عليه مصطفي هو وراء هذا الأمر لا محالة ! إذاً الموضوع يبدو أنه خطير جداً ومن الممكن أن يكون هو المستهدف في الآونة الأخيرة.
حاول رجال مراد العثور على من أطلق هذا الرصاص ولكنه اختفي كالرياح …! ليتوجه مراد إلى سيارته عازماً على أن يُندم ذلك الأبلة الذي يحاول أن يعبث معه أو مع عائلته.
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
جلس أمام مكتبه يحك مؤخرة عنقه بتفكير و شرود تام، ثم أخذ ملف ذلك الجاسر وهو يتفحصه بدقة، يبدو رجل أعمال ناجح، لا يوجد شيء مميز في ملفه حتي يتطلع عليه ولكن وراء شخصيته هذه هناك شىء قوي و مُريب سيكتشفه عاجلاً أم آجلا .. دلف إليه خالد ليقول بمرح:
– إيه يا عريس جاي من أول يوم ليه؟ هي بدأت تنكد عليك ولا إيه؟.
نظر له مراد بتهكم ليحمحم خالد ثم قال:
– كويس أنك هنا في أوراق كتير محتاجة موافقتك عليها.
أخذ من يده تلك الأوراق وأخذ يقرأ ما بها و يوقع عليها … ليرن هاتفه فأجاب قائلاً:
– ايوا يا ست الكل.
أجابته جدته بنبرة باكية:
– أمك رجعت هنا تاني يا مراد و رايحة على القصر دلوقتي.
انتفض مراد من جلسته ليقول سريعاً:
– طب اقفلي دلوقتي وانا هتصرف.
اغلق الهاتف ثم أخذ مفاتيح سيارته متوجهاً إلي الخارج بسرعة كبيرة.
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
استيقظت من نومها وهي تفرك عيناها بتثاقل فوجدت هاتفها يرن لتجيب بعناس:
– ايوا مين؟.
أجابها جاسر بنبرة شيطانية:
– جاسر يا حبيبتي … سجلى رقمي بقا عشان هعملك اتصالات كتير في الفترة الجاية.
صرخت هي بإنفعال:
– أنت حيوان !! أنت عايز مني ايه قولتلك أبعد عني.
ليهتف هو ببرود:
– تعرفي لولا أني بحبك كنت ندمتك عشان تتجرئي و تكلميني بالطريقة دي بس يالا الأيام ما بينا كتير.
أغمضت عيناها وهو تشعر بالصداع يفتك برأسها لتقول بنفاذ صبر:
– أنت بتتصل عايز إيه يعني؟!.
أجابها ببروده المستفز:
– عايزك.
ثم أكمل قائلاً:
– بصي بقا يا حلوة واسمعي الكلام اللي هقوله كويس و هتنفذيه بمزاجك أو غصب عنك……..
استمعت إلى صوت صراخ في الأسفل ليسقط الهاتف من يدها ثم هبطت إلي الأسفل بخطوات راكضة…..
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
نهاية الفصل
الفصل الرابع عشر
(براءة)
وقفت على الدرج تتابع ما يحدث بعينان مندهشة، وجدت سيدة جالسة أرضاً تبكي و تصرخ بحرقه بينما يقف أمامها رأفت يرمقها بجمود، كانت تشبه مراد بحد كبير نفس الملامح ونفس العين!
قاطع تأملها صوت رأفت الصارم:
– كفاية تمثيل بقا أنا زهقت … لو كان موت حازم فارق معاكي كدا مكنتيش سيبتي أولادك وهربتي مع حبيب القلب.
صرخت هدي وهي تنتحب:
– هو أنا هربت من فراغ مهو من عمايلك فيا و تملكك كأني لعبة في أيدك … وبعدين متلومنيش على الأقل حبيب القلب اللي بتعايرني بيه كان بيقدرني و بيحبني بجد.
– هدي! ألزمى حدودك وأنتي بتتكلمي مع أبويا!.
صرخ بها مراد بصوته الجهوري بعد أن آتي، يرسل إليها نظرات نارية مشتعلة بينما قابلتها هدي بنظرة تحمل معني الاشتياق والندم فيبدو أنه أصبح يكرهها كثيراً بالرغم من أنه كان متعلق بها بشكل كبير.
كان الصمت سيد الموقف … الجميع ينظرون إلي بعضهم بحيرة، و غضب، و اشتياق، و خوف، ولامبالاة …. قاطع هذا الصمت الذي طال لدقائق…
مراد بحدة:
– لو سمحتي يا مدام هدي وجودك مش مرغوب فيه هنا و معرفش حتي إيه سبب وجودك ياريت تتفضلي بهدوء … وحازم اللي انتي بتتكلمي عنه و زعلانة عليه دلوقتي أنسيه و أنسي أنك خلفتي أصلاً.
اجهشت هدي بالبكاء المرير من معاملة أبنها القاسية بينما كان يتابعها بملامح باردة بالرغم من شعوره بالحزن بسبب حالتها تلك ولكنها أخطأت ويجب أن تتحمل نتيجة أخطائها هي من تركت أبنائها و زوجها، حتي تهرب إلى الخارج مع رجلاً آخر! كانت أسما في موقف لا تُحسد عليه اشتاقت إلي والدتها كثيراً رغم سوء ما فعلته ولكنها كانت تحتاج إليها و تحتاج حنانها تقدمت نحوها و أكتسي الحزن وجهها ليرمقها رأفت بتحذير فتوقفت من تلقاء نفسها.
أخذت هدي عدة خطوات متجهة للخارج مُنكسة رأسها و تذرف الدموع بغزارة، وكالعادة ظلت نورا تبكي بشفقة على تلك السيدة، صعد مراد للأعلى سريعاً وهو ينظر لها نظرات مبهمة.
حدثت نورا نفسها بضيق:
– اكيد زعلان من اللي حصل ومخنوق، هطلع أشوفه أحسن … ايه اللي انا بقوله ده؟! انا هطلع أنام وخلاص … نوم ايه تاني لا انا هشوفه و أمري لله.
وقبل أن تصعد إلى الأعلى صاحت فاتن قائلة:
– خليكي يا بنتي قاعدة معايا شوية هتفضلي حابسة نفسك كدا كتير.
أطلقت زفيراً طويلاً تجيبها قائلة:
– معلشي يا ماما مش دلوقتي … لو عمر تعبك ناديني.
أومأت لها فاتن وهى تهز رأسها بيأس فصعدت نورا الأعلى الأعلى متوجهة إلى غرفة مراد…
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
خرج مراد من الحمام عاري الصدر يرتدي بنطال قطني أسود و يجفف شعره بالمنشفة الصغيرة … أستمع إلى صوت طرق الباب ليزفر في ملل ثم توجه نحو الباب يفتحه بسرعة ظنناً بأنها أسما ليتفاجأ بـنورا تقف أمامه بعينان متسعة بينما عقد هو حاجبيه بأستفهام عن سبب مجيئها الآن … حاولت إخراج الكلمات من جوفها ولكنها عجزت ليقول هو بنبرة قلق بعد مدة من الصمت:
– نوري، في إيه؟!
أخفضت رأسها أرضاً وهي تقول بتعثلم و خفوت:
– أبداً أنا جيت اطمن عليك بس … أنت كويس؟!
لاحت ابتسامة واسعة على ثغره لم تراها هي ليجيبها بمسكنة مصتنعة:
– لا انا مش كويس أنا تعبان.
تحولت قسمات وجهها إلى القلق، ثم أردف مراد قائلاً:
– هتفضلي واقفة كدا على الباب اتفضلي على جوا.
ابتلعت لعابها ليبتعد مراد عن الباب وهو ينظر إلى خديها الذي تحول إلي الأحمر القاني من الخجل فأثرت قلبه أكثر و أكثر قائلاً ببحة صوته الرجولية المميزة وهو يشير إليها بالجلوس على الأريكة:
– اقعدي هنا ! استنيني ثواني.
أومأت له باضطراب ليذهب هو نحو الدولاب ثم أخرج قميصاً قطنياً أسود يرتديه و صفف شعره المبتل لتبتسم هي ابتسامة بلهاء لا تفهم سببها! أقترب منها بعد أن أنتهي ليسحبها من يدها متوجهاً بها إلى خارج الغرفة لتهتف بتوتر:
– أنت واخدني و رايح على فين؟!
وقف فجأة ليقترب منها ثم وضع سبابته على شفتها يهمس برفق:
– هشش مش عايز اسمع اعتراض.
سحبها من يدها مرة ثانية إلى أن صعدوا إلى سطح القصر الكبير فنظر لها قائلاً بابتسامة صغيرة:
– دا المكان الوحيد اللي بحب اكون فيه و اراجع حسابتي من جديد.
أزداد لمعان بريق عيناها فنظر إليها بهيام لم يستطيع أخفاءه ثم أشار لها بعيناه إلي أرجوحة تشبه تلك الأرجوحة التى اشتراها لها وهي طفلة بينما رفرفت بأهدابها الطويلة وهى تنظر له بعينان متسعة من الدهشة حتي بدت كالطفلة الصغيرة أمامه.
دفعها بخفة متجهاً بها نحو تلك الأرجوحة لتجلس عليها و أبتسمت له بعذوبة، يكاد يجزم بأنها تستمع إلى دقات قلبه التي تكاد تخرج من قفصه الصدري! احقاً ذلك الشئ البسيط يزعجها! احقاً كان أحمق لهذه الدرجة حتي يُصدق أنها قد تكون خائنة؟! يري أمامه الآن ملاك على هيئة بشر بالرغم من الألم الذي عاشته ولكنها لا تزال تحتفظ بالبرائة بداخلها!
أقسم بداخله أن يُنير قلبها و حياتها من تلك العتمة التي خيمت حياتها … أخذ يحرك تلك الأرجوحة وتعالى صوت ضحكاتها المرحة وكأن ضحكاتها تدغدغ حواسه ليضحك معها بسعادة لم يعهدها من قبل!.
بعد مرور بعض الوقت…
توجهوا سوياً نحو أحدي الأسوار المزينة بالورود و تطل على حديقة القصر الجميلة فحملها مراد وسط تذمر تلك الصغيرة و أجلسها على أحدي الكراسي العالية ليجلس هو الآخر ثم صاحت وهي تنظر إلى المكان بدهشة:
– بس السطح مكنش كدا معقول أنت عملت فيه كل ده؟!
همهم باستمتاع وهو يتابع تلك الخصلات التي تمردت لتسقط على صفحة وجهها الناعم فأزاح خصلاتها الحريرية خلف أذنها ببطئ، أبتسمت له بتوتر فنظراته لها بتلك الطريقة لا ترحمها ولأول مرة في حياتها تختبر شعوراً كهذا !
صاح مراد بابتسامة:
– فاكرة لما كنا صغيرين، كنتي دايماً تحبي نطلع انا وانتي هنا لوحدنا و تحكيلي تفصيل يومك.
تنهدت براحة وهي تتذكر مدى قربهم سويا فهو كان يمثل لها الحياة بأكملها كانت تعتبره مصدر حمايتها و أمانها.
غمز لها مراد بمشاكسة:
– طب فاكرة لما طلبتي تتجوزيني!.
أخفت وجهها بيدها من شدة الخجل وهي تتذكر أفعالها المجنونة.
~Flashback~
كانت تلك الجنية الصغيرة مستندة برأسها على كتف مراد يضحكوا بمرح وهي تقص عليه المقالب التي تفعلها بأصدقائها وحازم و نسرين ليقول مراد بحزم وهو يمسد على شعر صغيرته:
– وبعدين معاكي يا ست نورا مش أنا قولتلك بلاش لعب و مقالب مع الأولاد ولا أنا كلامي مش مسموع؟.
اعتدلت نورا في جلستها وهي تهز رأسها قائلة بطفولة:
– مراد مث تزعل أنا آسفة و وعد من نورا مث هكلم ولاد أبداً.
ابتسم برضاء فهو يعرف أنها لا تستطيع رفض أي آمر يلقيه ليرفع رأسه قائلاً بغرور لا يليق إلا به:
– وبالنسبة للفساتين القصيرة اللي بتلبسيها لو شفتك ماشية بيهم تاني هكسرك.
أومأت له برأسها ثم ابتسمت بدلال:
– مراد … انا عايزة اتجوز.
اتسعت عيناه بصدمة و قبض على كف يدها قائلاً بغضب:
– نعم يختي!!! تتجوزي مين أن شاء الله ليلته مش فايتة، انطقي و قولى مين اللي لعب في عقلك أحسن اخنقك.
زمت شفتاها بعبوس و ترقرقت زرقاوتاها الواسعة لتصرخ به في لوم:
– أنا عايزة اتجوزك أنت والبث (البس) فستان ابيض.
اتسعت حدقيته بدهشة من طلبها هذا ليقول سريعاً:
– نوري انتي بتحبيني؟!
نهضت تلك الصغيرة ترمقه بغيظ ثم صرخت مرة ثانية بغضب طفولى:
– نورا زعلانة منك ومث هتكلمك تاني أبداً.
أمسك يدها ليجذبها نحوه مرة ثانية فسقطت على قدمه ليبدأ في دغدغتها حتي يصالحها.
~End~
أطلقت نفساً عميقاً يتأمل تلك الحورية صغيرته التي تتطلع إلى السماء و زرقتيها تجوب هنا وهناك … ظلوا يتحدثون في أمور شتى و يمرحون معاً حتي تأخر الوقت.
أخبرها مراد متفحصاً وجهها الذي ظهر عليه الإرهاق:
– يالا عشان تاكلى و تنامي.
أومأت له ثم أمسك يدها متوجهين إلى الاسفل … أدخلها إلى جناحه لتهتف قائلة بإعتراض:
– أنت واخدني على فين كدا … دي مش أوضتي.
صاح وهو يجلسها على الأريكة:
– ممكن تبطلي رغي شوية واياكي تتحركي من هنا.
تركها مغادراً الغرفة وبعد عدة دقائق دلف إلي الغرفة مرة ثانية حاملاً صنية طعام ثم وضعها على طاولة صغيرة نوعاً ما، أشار إلى نورا بالقدوم فنظرت له قائلة:
– أنا مش جعانة، أنا عايزة أنام.
نظر لها نظرة تحذيرية لتجلس على مضض ثم أكلت بعض اللقيمات وأردفت:
– الحمد لله شبعت.
نهضت ليمسكها من رسغ يدها قائلاً:
– على فين العزم يا عروسة … مفيش خروج انتي هتنامي هنا.
رفعت حاجبيها بسخرية:
– أنام فين؟! مراد لو سمحت مش هسمحلك.
رفع كتفيه بلامبالاة:
– هو دا اللي عندي مينفعش نبقا لسه متجوزين وكل واحد ينام في مكان مختلف ودا آخر كلام عندي.
دبت الأرض بقدمها بحنق لتذهب نحو الفراش واضعة الغطاء على جسدها و وجهها بالكامل ليناديها هو بخفوت فأجابت بحنق:
– عايز ايه تاني؟.
أزاح الغطاء من على وجهها ليقول بنبرة آمرة وهو يشير إلى كوب اللبن:
– اشربي وبعد كدا نامي.
هزت رأسها بإعتراض:
– لا مش هشرب و ملكش دعوة.
أمسك فكها وباليد الأخري الكوب ليرغمها على شرابه كاملاً ثم أبتسم بإنتصار مستفزاً إياها لتمتم بغيظ:
– رخم و تنك صحيح.
كبت ضحكته بصعوبة ليرسم الجدية على ملامحه قائلاً:
– بتقولي حاجة؟.
زفرت في ضيق لتتجاهله ثم أعادت الكرة مرة ثانية و وضعت الغطاء تخفي وجهها، ثواني و شعرت به يتمدد بجانبها لتتسع عيناها بصدمة وقامت بإزاحة الغطاء قائلة بخوف وهي تتطلع إلى صدره العاري:
– أنت بتعمل ايه هنا؟!
أجابها ببرود: هنام هكون بعمل ايه.
ضربته في كتفه بحدة:
– أنت اتجننت مستحيل تنام جمبي اوعي كدا انا هقوم.
صاح بتحذير وهو يمدد ظهره:
– يومك أسود لو اتحركتي من مكانك يالا نامي.
هزت رأسها بيأس لتقول بخجل وهي تشيح بنظرها بعيداً عنه:
– طب ألبس حاجة وبطل قلة أدب.
ظهرت شبح ابتسامة خبيثة على شفتاه ليهتف بهدوءه:
– ملكيش دعوة بيا وانا كمان مليش دعوة بلبسك هنا حتي لو مش عايزة تلبسي خالص.
قال الأخيرة بنبرة عابثة لتشهق عالياً ثم أبتعدت إلى طرف الفراش ثواني و وجدت نفسها داخل أحضانه يشدد من احتضانه لها بينما تتململ هي في أنزعاج دقائق و فقدت الأمل في ذلك المجنون واستكانت مستسلمة لسلطان النوم…


